تُعرب منظمة مشاد عن بالغ قلقها إزاء استمرار التدخلات الخارجية التي تُسهم في إطالة أمد النزاع في السودان، من خلال دعم مسارات أو ترتيبات سياسية لا تستند إلى المشاركة الوطنية الشاملة، ولا تعكس بصورة كافية تطلعات الشعب السوداني، ولا سيما الضحايا والمتضررين من الحرب. وترى المنظمة أن أي عملية سياسية تُبنى على الإقصاء أو الاحتكار أو تجاوز الإرادة الحرة للسودانيين لن تُفضي إلى سلام مستدام، بل ستُسهم في إعادة إنتاج أسباب الأزمة، وتعميق الانقسام، وتقويض فرص بناء دولة مستقرة تقوم على سيادة القانون والعدالة واحترام حقوق الإنسان.وتؤكد المنظمة أن المبادئ التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تُلزم جميع الأطراف الدولية والإقليمية باحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية بما يخالف القانون الدولي، واحترام حق الشعوب في المشاركة الحرة والفاعلة في تقرير مستقبلها السياسي، وضمان أن تكون عمليات السلام شاملة، وتمثيلية، ومرتكزة على حقوق الإنسان وسيادة القانون.وتُعرب منظمة مشاد عن بالغ أسفها لاستمرار توجيه موارد مالية ضخمة إلى مؤتمرات وورش عمل ومسارات سياسية لم تُحقق نتائج ملموسة تُخفف من معاناة المدنيين أو تُقرب السودان من سلام عادل ومستدام، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين أوضاعاً إنسانية كارثية، تتجسد في النزوح واللجوء، وانعدام الأمن الغذائي، وتدهور الخدمات الأساسية، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وترى المنظمة أن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تقتضي إعادة توجيه هذه الموارد بصورة عاجلة نحو حماية المدنيين، وتعزيز الاستجابة الإنسانية، ودعم المجتمعات المتضررة، وتمكين الشباب والنساء، باعتبارهم القوة المجتمعية الأكثر قدرة على الإسهام في إعادة بناء الدولة وتحقيق التعافي والسلام.كما تؤكد منظمة مشاد أن الضحايا، والناجين من الانتهاكات، والنازحين، واللاجئين، والشباب، والنساء، ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، يجب أن يكونوا في صميم أي عملية سياسية أو مسار تفاوضي، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقيين والأكثر تأثراً بالحرب. وإن تهميش هذه الفئات أو اختزال تمثيل الشعب السوداني في دوائر سياسية محدودة يُقوض شرعية أي عملية سياسية، ويُضعف فرص نجاحها، ويتعارض مع المبادئ الأساسية للمشاركة والتمثيل المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان.وتشدد المنظمة على أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة تدوير النخب أو القوى التي ارتبطت بمراحل الفشل والصراع، ولا من خلال تسويات قصيرة الأجل تُغفل العدالة والمساءلة، وإنما عبر عملية وطنية جامعة تُؤسس على الحقيقة، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، وعدم الإفلات من العقاب، وضمان عدم التكرار، بما يعيد الثقة في مؤسسات الدولة ويؤسس لمستقبل يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.وفي هذا الإطار، تدعو منظمة مشاد الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والدول الشريكة، إلى مراجعة مقارباتها تجاه الأزمة السودانية، وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين، ودعم المبادرات الوطنية المستقلة، وتوسيع المشاركة لتشمل الضحايا والشباب والنساء والمجتمع المدني، والامتناع عن دعم أي ترتيبات أو مبادرات من شأنها تكريس الانقسام أو إضعاف فرص التوصل إلى سلام شامل وعادل ومستدام.كما تدعو المنظمة جميع الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والعمل على تهيئة بيئة تُعزز الحوار الوطني الحقيقي، وتدعم الحلول التي يقودها السودانيون أنفسهم، بعيداً عن أي ضغوط أو اصطفافات أو تدخلات تُقوض استقلال القرار الوطني.وتُناشد منظمة مشاد أبناء وبنات الشعب السوداني، وفي مقدمتهم الشباب، إلى مواصلة التمسك بالوحدة الوطنية، ونبذ خطاب الكراهية والعنف، والتمسك بقيم المواطنة، والتسامح، وسيادة القانون، وعدم السماح بإعادة إنتاج أسباب الصراع أو احتكار القرار الوطني، والعمل معاً من أجل بناء سودان يسوده السلام والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية.وتؤكد منظمة مشاد، في ختام هذا البيان، أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُصاغ في قاعات المؤتمرات المغلقة أو عبر تفاهمات تُبرم بمعزل عن أصحاب المصلحة الحقيقيين، وإنما يجب أن يُبنى بإرادة السودانيين أنفسهم، وبمشاركة جميع مكونات المجتمع، وفي مقدمتها الضحايا والشباب والنساء، ومن خلال عملية وطنية شاملة تُكرس العدالة، وتحمي الحقوق والحريات، وتُرسخ سيادة القانون، وتُفضي إلى قيام دولة مدنية ديمقراطية قادرة على صون كرامة الإنسان، وتحقيق السلام المستدام، والتنمية، والاستقرار.وتجدد منظمة مشاد التزامها الكامل بمواصلة جهودها في توثيق الانتهاكات، والدفاع عن الضحايا، وتعزيز قيم العدالة وحقوق الإنسان، والعمل مع جميع الشركاء الوطنيين والإقليميين والدوليين من أجل إنهاء معاناة الشعب السوداني، وإرساء سلام عادل وشامل ودائم، يستند إلى المساءلة، واحترام الكرامة الإنسانية، والإرادة الحرة للشعب السوداني.
