مرصد مشاد يدعو مجلس السيادة السوداني إلى التدخل العاجل لحماية البنية التحتية للطاقة وإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الحرائق المتكررة بمحطات الكهرباء

يعرب مرصد مشاد عن بالغ قلقه إزاء الحرائق المتكررة التي طالت عدداً من محطات الكهرباء الاستراتيجية في السودان، وفي مقدمتها محطة مروي، وما ترتب عليها من انقطاع واسع للإمداد الكهربائي، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالمواطنين، وأثر بصورة مباشرة على المستشفيات والمراكز الصحية ومحطات المياه والمؤسسات التعليمية وقطاعات الإنتاج والصناعة والزراعة والخدمات العامة، وفاقم من معاناة ملايين السودانيين في ظل الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.ويؤكد مرصد مشاد أن هذه التطورات تعيد إلى الواجهة ما سبق أن حذر منه في تقريره الاستقصائي بشأن المخاطر التي تهدد المؤسسات العامة والبنية التحتية الاستراتيجية نتيجة ضعف الحوكمة والرقابة، واحتمال تأثر بعض القطاعات بمصالح تجارية أو اقتصادية قد تضعف استدامة المرافق العامة أو تقلل من الاستثمار في حمايتها وصيانتها. وقد دعا المرصد في ذلك التقرير إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، وحماية مؤسسات الدولة من أي ممارسات أو تضارب مصالح قد يؤثر في كفاءة الخدمات العامة أو في حقوق المواطنين. وانطلاقاً من ذلك، يرى المرصد أن من الضروري أن يشمل أي تحقيق مستقل فحص جميع الفرضيات والأسباب المحتملة التي قد تكون وراء تكرار هذه الحوادث، دون استبعاد أي احتمال تثبته الأدلة والوقائع.إن حماية البنية التحتية للطاقة ليست شأناً فنياً أو إدارياً فحسب، وإنما هي مسؤولية سيادية والتزام دستوري وقانوني يرتبط بحماية الأمن الوطني، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وصون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. فالكهرباء أصبحت ركناً أساسياً في التمتع بالحق في الحياة والصحة والمياه والتعليم والعمل والتنمية، وأي إخفاق جسيم في حماية هذا القطاع الحيوي ينعكس بصورة مباشرة على أمن الإنسان وكرامته واستقرار الدولة.لقد ترتبت على الانقطاعات الأخيرة للكهرباء آثار بالغة الخطورة، تمثلت في تعطل الخدمات الطبية المنقذة للحياة، وإرباك تشغيل المستشفيات وغرف العمليات ووحدات العناية المركزة، وتأثر محطات المياه والاتصالات، وتوقف العديد من الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، وإلحاق خسائر بالمواطنين والمؤسسات العامة والخاصة، وهو ما يفرض على الدولة واجباً قانونياً وأخلاقياً في اتخاذ إجراءات عاجلة تحول دون تكرار هذه الحوادث، وتضمن حماية مقدرات الشعب السوداني.وانطلاقاً من مبادئ سيادة القانون والشفافية والمساءلة، يدعو مرصد مشاد مجلس السيادة السوداني إلى التدخل العاجل واتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية محطات الكهرباء وسائر منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، باعتبارها مرافق سيادية تمثل أساس الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي.كما يدعو المرصد إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة ومحايدة تضم قضاة وخبراء هندسيين وفنيين وممثلين للنيابة العامة والأجهزة الرقابية، تتمتع بكامل الصلاحيات للوصول إلى جميع الوثائق والمعلومات ومواقع الحوادث، وتتولى إجراء تحقيق شامل وشفاف للكشف عن الأسباب الحقيقية للحرائق والانقطاعات، وتحديد ما إذا كانت ناجمة عن قصور فني أو إداري أو إهمال أو أعمال تخريبية أو أي أسباب أخرى، مع فحص أي شبهة تتعلق بتضارب المصالح أو الاستفادة غير المشروعة متى ما أظهرت الأدلة ما يستوجب ذلك، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام بكل شفافية، وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية وفقاً لما تثبته الوقائع والأدلة، وبما يكفل احترام ضمانات العدالة وسيادة القانون.ويؤكد مرصد مشاد أن حماية المال العام وصيانة مقدرات الدولة ليستا خياراً سياسياً، وإنما التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق جميع مؤسسات الدولة، وأن أي تقصير أو إهمال أو مخالفة يثبتها تحقيق مستقل يجب أن تقابل بمساءلة عادلة وفقاً للقانون، لأن الإفلات من المسؤولية يقوض ثقة المواطنين في مؤسساتهم ويزيد من مخاطر تكرار الإخفاقات التي تمس حياة الناس وحقوقهم.كما يدعو المرصد إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة لقطاع الكهرباء، تشمل تقييم أنظمة الحماية والصيانة وإدارة المخاطر والاستجابة للطوارئ، ووضع خطة استراتيجية لإعادة تأهيل وتأمين البنية التحتية للطاقة وفق أفضل المعايير الهندسية والفنية الدولية، بما يضمن استدامة الخدمات العامة وتعزيز قدرة الدولة على حماية مرافقها الحيوية.ويشدد مرصد مشاد على أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد ومنشآت، وإنما بقدرتها على حمايتها، وكشف الحقيقة عند وقوع الإخفاقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والإدارة الرشيدة. وإن الشعب السوداني، الذي تحمل أعباء الحرب والانهيار الاقتصادي، يستحق أن يكون على اطلاع كامل بحقيقة ما جرى، وأن يطمئن إلى أن مؤسسات الدولة تؤدي واجبها في حماية مقدرات الوطن وصيانة حقوق المواطنين.ويجدد مرصد مشاد دعوته إلى أن يحظى هذا الملف بأعلى درجات الاهتمام الوطني، وأن يتم التعامل معه باعتباره قضية تتعلق بالأمن القومي والحقوق الأساسية والتنمية المستدامة، وأن تلتزم جميع الجهات المختصة بأقصى درجات الشفافية والإفصاح والمساءلة، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويحمي البنية التحتية الوطنية، ويصون مقدرات السودان للأجيال القادمة.

شارك:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *